فصل: تفسير الآية رقم (111)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏102‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم سبعة من الأنصار منهم أو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، كانوا من جملة العشرة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك، فربطوا أنفسهم لما ندموا على تأخرهم إلى سواري المسجد ليطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عفا عنهم، فلما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بهم وكانوا على طريقة فسأل عنهم فأخبر بحالهم فقال‏:‏ «لاَ أَعذُرُهُمْ وَلاَ أُطْلِقُهم حَتَّى يَكونَ اللَّهَ تَعالَى هُوَ الَّذِيَ يَعْذُرُهم وَيُطْلِقُهُمْ» فنزلت هذه الآية فيهم فأطلقهم، وهذا قول ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أنه أبو لبابة وحده قال لبني قريظة حين أرادوا النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم إنه ذابحكم إن نزلتم على حكمه، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحَاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أن الصالح‏:‏ الجهاد، والسيء، التأخر عنه، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ أن السيئ‏:‏ الذنب والصالح‏:‏ التوبة، قاله بعض التابعين‏.‏

الثالث‏:‏ ما قاله الحسن‏:‏ ذنباً وسوطاً لا ذهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 105‏]‏

‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏103‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏104‏)‏ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لما نزل في أبي لبابة وأصحابه ‏{‏وَءَاخَرُونَ اعْترَفُواْ بِذُنُوبِهِم‏}‏ الآية‏.‏ ثم تاب عليهم قالوا يا رسول الله خذ منا صدقة أموالنا لتطهرنا وتزكينا، قال‏:‏ لا أفعل حتى أؤمر، فأنزل الله تعالى ‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‏}‏ وفيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها الصدقة التي بذلوها من أموالهم تطوعاً، قاله ابن زيد‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الزكاة التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضاً، قاله عكرمة‏.‏ ولذلك قال‏:‏ ‏{‏مِنْ أَمْوَالِهِمْ‏}‏ لأن الزكاة لا تجب في الأموال كلها وإنما تجب في بعضها‏.‏

‏{‏تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا‏}‏ أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم‏.‏

‏{‏وَصَلِّ عَلَيْهِمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ استغفر لهم‏:‏ قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ ادع لهم، قاله السدي‏.‏

‏{‏إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ‏}‏ فيه خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ قربة لهم، قاله ابن عباس في رواية الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً‏.‏

الثالث‏:‏ وقار لهم، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ تثبت لهم، قاله ابن قتيبة‏.‏

الخامس‏:‏ أمن لهم، ومنه قول الشاعر‏:‏

يَا جَارَةَ الحَيِّ كُنتِ لي سَكَناً *** إذْ ليْسَ بعضُ الجِيرَانِ بِالسَّكَنِ

وفي الصلاة عليهم والدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ستة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يجب على الآخذ الدعاء للمعطي اعتباراً بظاهر الأمر‏.‏

الثاني‏:‏ لا يجب ولكن يستحب لأن جزاءها على الله تعالى لا على الآخذ‏.‏

والثالث‏:‏ إن كانت تطوعاً وجب على الآخذ الدعاء، وإن كانت فرضاً استحب ولم يجب‏.‏

والرابع‏:‏ إن كان آخذها الوالي استحب له الدعاء ولم يجب عليه، وإن كان آخذها الفقير وجب عليه الدعاء له، لأن الحق في دفعها إلى الوالي معيّن، وإلى الفقير غير معيّن‏.‏

والخامس‏:‏ إن كان آخذها الوالي وجب، وإن كان الفقير استحب ولم يجب‏.‏ لأنه دفعها إلى الوالي إظهار طاعة فقوبل عليها بالشكر وليس كذلك الفقير‏.‏

والسادس‏:‏ إن سأل الدافع الدعاء وجب، وإن لم يسأل استحب ولم يجب‏.‏

روى عبد الله بن أبي أوفى قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات قومي فقلت يا رسول الله صلِّ عليّ، فقال‏:‏ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى

»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏106‏]‏

‏{‏وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ‏}‏ وهم الثلاثة الباقون من العشرة المتأخرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك ولم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، وهم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك‏.‏

‏{‏مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ‏}‏ أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم‏.‏

‏{‏إِمَّا يُعَذِبُهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يميتهم على حالهم، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ يأمر بعذابهم إذا لم يعلم صحة توبتهم‏.‏

‏{‏وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يعلم صدق توبتهم فيطهر ما فيهم‏.‏

الثاني‏:‏ أن يعفو عنهم ويصفح عن ذنوبهم‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ أي عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم فيما فعله من إرجائهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 108‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏107‏)‏ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ‏(‏108‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً‏}‏ هؤلاء هم بنو عمرو بن عوف وهم اثنا عشر رجلاً من الأنصار المنافقين، وقيل‏:‏ هم خذام بن خالد ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب، وَمُعَتِّب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مُجمِّع وزيد ابنا جارية، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وبحرج وهو جد عبد الله بن حنيف، وله قال النبي صلى الله عليه وسلم «وَيْلَكَ يَا بَحْرَج مَاذَا أَرَدْتَ بِمَا أَرَى‏؟‏» فقال يا رسول الله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب، فصدقه، فبنى هؤلاء مسجد الشقاق والنفاق قريباً من مسجد قباء‏.‏

‏{‏ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ يعني ضراراً، وكفراً بالله، وتفريقاً بين المؤمنين أن لا يجتمعوا كلهم في مسجد قباء فتجتمع كلمتهم، ويتفرقوا فتتفرق كلمتهم، ويختلفوا بعد ائتلافهم‏.‏

‏{‏وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ وفي الإرصاد وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه انتظار سوء يتوقع‏.‏

الثاني‏:‏ الحفظ المقرون بفعل‏.‏

وفي محاربة الله تعالى ورسوله وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ مخالفتهما‏.‏

الثاني‏:‏ عداوتهما‏.‏ والمراد بهذا الخطاب أبو عامر الراهب والد حنظلة بن الراهب كان قد حزّب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خاف فهرب إلى الروم وتنصر واستنجد هرقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فبنوا هذا المسجد له حتى إذا عاد من هرقل صلى فيه، وكانوا يعتقدون أنه إذا صلى فيه نُصِر، وكانوا ابتدأوا بنيانه ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارج إلى تبوك، فسألوه أن يصلي لهم فيه فقال‏:‏ «أَنَا عَلَى سَفَرٍ وَلَو قَدِمْنَا إِن شَآءَ اللَّهُ أَتَينَاكُم وَصَلَّينَا لَكُم فِيهِ»‏.‏ فلما قدم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، وقالوا قد فرغنا منه، فأتاه خبر المسجد وأنزل الله تعالى فيه ما أنزل‏.‏

وحكى مقاتل أن الذي أمّهم فيه مجمع بن جارية وكان قارئاً، ثم حسن إٍسلامه بعد ذلك فبعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة يعلمهم القرآن، وهو علم ابن مسعود بقية القرآن‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ طاعة الله تعالى‏.‏

والثاني‏:‏ الجنة‏.‏

والثالث‏:‏ فعل التي هي أحسن، من إقامة الدين والجماعة والصلاة، وهي يمين تحرُّج‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ والله يعلم إنهم لكاذبون في قولهم خائنون في إيمانهم‏.‏

والثاني‏:‏ والله يعلمك أنهم لكاذبون خائنون‏.‏ فصار إعلامه له كالشهادة منه عليهم‏.‏

‏{‏لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً‏}‏ أي لا تصلَّ فيه أبداً، يعني مسجد الشقاق والنفاق فعند ذلك أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم وعاصم بن عدي فقال‏:‏ انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه‏.‏ فذهبا إليه وأخذا سعفاً وحرقاه‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ بل انهار المسجد في يوم الاثنين ولم يُحرَّق‏.‏

‏{‏لَّمَسْجِدٌ أسِسَّ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ‏}‏ وفيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قاله أبو سعيد الخدري ورواه مرفوعاً‏.‏

الثاني‏:‏ أنه مسجد قباء، قاله الضحاك وهو أول مسجد بني في الإسلام، قاله ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ أنه كل مسجد بني في المدينة أسس على التقوى، قاله محمد بن كعب ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ من المسجد الذي أسس على التقوى رجال يحبون أن يتطهروا من الذنوب والله يحب المتطهرين منها بالتوبة، قاله أبو العالية‏.‏

والثاني‏:‏ فيه رجال يحبون أن يتطهروا من البول والغائط بالاستنجاء بالماء‏.‏ والله يحب المتطهرين بذلك‏.‏

روى أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار عند نزول هذه الآية‏:‏ «يَا مَعْشَرَ الأَنصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنى عَلَيكُم خَيراً فِي الطَّهُورَ فَمَا طَهُورُكُم هَذَا» قالوا‏:‏ يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فَهَلْ مَعَ ذلِكَ غَيرُهُ‏؟‏» قالوا لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء، فقال‏:‏ «هُوَ ذلِكَ فَعَلَيكُمُوهُ» الثالث‏:‏ أنه عني المتطهرين عن إتيان النساء في أدبارهن، وهو مجهول، قاله مجاهد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏109- 110‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏109‏)‏ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ‏}‏ يعني مسجد قباء والألف من ‏{‏أَفَمَنْ‏}‏ ألف إنكار‏.‏

ويحتمل قوله ‏{‏عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ‏}‏ وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن التقوى اجتناب معاصيه، والرضوان فعل طاعته‏.‏

الثاني‏:‏ أن التقوى اتقاء عذابه، والرضوان طلب ثوابه‏.‏

وكان عمر بن شبة يحمل قوله تعالى ‏{‏لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى‏}‏ على مسجد المدينة، ويحتمل ‏{‏أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مَنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ‏}‏ على مسجد قباء، فيفرق بين المراد بهما في الموضعين‏.‏

‏{‏أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ‏}‏ يعني شفير جرف وهو حرف الوادي الذي لا يثبت عليه البناء لرخاوته وأكل الماء له ‏{‏هَارٍ‏}‏ يعني هائر، والهائر‏:‏ الساقط‏.‏ وهذا مثل ضربه الله تعالى لمسجد الضرار‏.‏

ويحتمل المقصود بضرب هذا المثل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه لم يبق بناؤهم الذي أسس على غير طاعة الله حتى سقط كما يسقط ما بني على حرف الوادي‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لم يخف ما أسرُّوه من بنائه حتى ظهر كما يظهر فساد ما بنى على حرف الوادي بالسقوط‏.‏

‏{‏فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم ببنيانهم له سقطوا في نار جهنم‏.‏

الثاني‏:‏ أن بقعة المسجد مع بنائها وبُناتها سقطت في نار جهنم، قاله قتادة والسدي‏.‏

قال قتادة‏:‏ ذكر لنا أنه حفرت منه بقعة فرئي فيها الدخان وقال جابر بن عبد الله‏:‏ رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار‏.‏

قوله عزوجل ‏{‏لاَ يََزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ‏}‏ يعني مسجد الضرار‏.‏

‏{‏رِيبَةً فِي قُلُوبِهِم‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الريبة فيها عند بنائه‏.‏

الثاني‏:‏ أن الريبة عند هدمه‏.‏

فإن قيل بالأول ففي الريبة التي في قلوبهم وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ غطاء على قلوبهم، قاله حبيب بن أبي ثابت‏.‏

الثاني‏:‏ أنه شك في قلوبهم، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك، ومنه قول النابغة الذبياني‏:‏

حَلَفْتُ فلم أترك لنَفْسِكَ ريبة *** وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أن تكون الريبة ما أضمروه من الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين‏.‏

وإن قيل بالثاني أن الريبة بعد هدمه ففيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها حزازة في قلوبهم، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ ندامة في قلوبهم، قاله حمزة‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ أن تكون الريبة الخوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين‏.‏

‏{‏إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ إلا أن يتوبوا، قاله سفيان‏.‏

الثالث‏:‏ إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، قاله عكرمة‏.‏ وكان أصحاب ابن مسعود يقرأُونها‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏111‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ‏}‏ اشترى أنفسهم بالجهاد، ‏{‏وَأَمْوَالَهُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ نفقاتهم في الجهاد‏.‏

والثاني‏:‏ صدقاتهم على الفقراء‏.‏

‏{‏بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ يعني الجنة، وهذا الكلام مجاز معناه أن الله تعالى أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما فيه من عوض ومعوض مضار في معناه، ولأن حقيقة الشراء لما لا يملكه المشتري‏.‏

‏{‏يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ لأن الثواب على الجهاد إنما يستحق إذا كان في طاعته ولوجهه‏.‏

‏{‏فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ‏}‏ يعني أن الجنة عوض عن جهادهم سواء قَتَلُوا أو قُتِلُوا‏.‏ فروى جابر بن عبد الله الأنصاري أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فكبّر الناس، فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرف ردائه على أحد عاتقيه فقال‏:‏ يا رسول الله أنزلت هذه الآية‏؟‏ فقال‏:‏ نَعَم، فقال الأنصاري‏:‏ بيع ربيح لا نقبل ولا نستقبل‏.‏

وقال بعض الزهاد‏:‏ لأنه اشترى الأنفس الفانية بالجنة الباقية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏112‏]‏

‏{‏التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏التَّآئِبُونَ‏}‏ يعني من الذنوب‏.‏

ويحتمل أن يراد بهم الراجعون إلى الله تعالى في فعل ما أمر واجتناب ما حظر لأنها صفة مبالغة في المدح، والتائب هو الراجع، والراجع إلى الطاعة أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين‏.‏

‏{‏العَابِدُونَ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ العابدون بتوحيد الله تعالى، قاله سعيد بن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ العابدون بطول الصلاة، قاله الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ العابدون بطاعة الله تعالى، قاله الضحاك‏.‏

‏{‏الحَامِدُونَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الحامدون لله تعالى على دين الإسلام، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ الحامدون لله تعالى على السراء والضراء، رواه سهل بن كثير‏.‏

‏{‏السَّآئِحُونَ‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ المجاهدون روى أبو أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي السياحة فقال‏:‏ «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ» والثاني‏:‏ الصائمون، وهو قول ابن مسعود وابن عباس، وروى أبو هريرة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ

»‏.‏ الثالث‏:‏ المهاجرون، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏

الرابع‏:‏ هم طلبة العِلم، قاله عكرمة‏.‏

‏{‏الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ‏}‏ يعني في الصلاة‏.‏

‏{‏الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوْفِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالتوحيد، قاله سعيد بن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ بالإسلام‏.‏

‏{‏وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكُرِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ عن الشرك، قاله سعيد بن جبير‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم الذين لم ينهوا عنه حتى انتهوا قبل ذلك عنه، قاله الحسن‏.‏

‏{‏وَاْلحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ القائمون بأمر الله تعالى‏.‏

والثاني‏:‏ الحافظون لفرائض الله تعالى من حلاله وحرامه، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ الحافظون لشرط الله في الجهاد، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

‏{‏وَبَشّرِ الْمُؤْمنِينَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني المصدقين بما وعد الله تعالى في هذه الآيات‏.‏ قاله سعيد بن جبير‏.‏

والثاني‏:‏ العاملين بما ندب الله إليه في هذه الآيات، وهذا أشبه بقول الحسن‏.‏

وسبب نزول هذه الآية ما روى ابن عباس أنه لما نزل قوله تعالى ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم‏}‏ الآية‏.‏ أتى رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر‏؟‏ فأنزل الله تعالى ‏{‏التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ‏}‏ الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 114‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏113‏)‏ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ‏(‏114‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى‏}‏ اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ ما روى مسروق عن ابن مسعود قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام، فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا فقال‏:‏ «مَا أَبْكَاكُم‏؟‏» قلنا‏:‏ بكينا لبكائك، قال‏:‏ «إن القبر الذي جلست عنده قبر آمِنَةَ وَإِنِّي اسْتَأْذَنتُ رَبِّي فِي زيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَإِنِّي استَأْذَنتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَن لِي، وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُربَى‏}‏ الآية‏.‏ ‏{‏فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنتُ نَهَيتُكُم عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا فإنها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ

» «والثاني‏:‏ أنها نزلت في أبي طالب، روى سعيد بن المسيب عن أبيه قال‏:‏ لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏» أَي عَمِّ قُلْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحَاج لَكَ بِهَا عِندَ اللَّهِ «فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية‏:‏ أترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فكان آخر شيء كلمهم به أن قال‏:‏ أنا على ملة عبد المطلب‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏» لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنكَ «فنزلت ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ‏}‏ الآية‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت فيما رواه أبو الخليل عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت‏:‏ تستغفر لأبويك وهما مشركان‏؟‏ قال‏:‏ أو لم يستغفر إبراهيم لأبويه‏؟‏ فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءآمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمَا كَانَ استِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهآ إِيَّاهُ‏}‏ الآية‏.‏

عذر الله تعالى إبراهيم عليه السلام في استغفاره لأبيه مع شركه لسالف موعده ورجاء إيمانه‏.‏

وفي موعده الذي كان يستغفر له من أجله قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن‏.‏

والثاني‏:‏ أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له لما كان يرجوه أنه يؤمن‏.‏

‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ‏}‏ وذلك بموته على شركه وإياسه من إيمانه ‏{‏تَبَرَّأَ مِنْهُ‏}‏ أي من أفعاله ومن استغفاره له، فلم يستغفر له بعد موته‏.‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ‏}‏ فيه عشرة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الأوّاه‏:‏ الدعَّاء، أي الذي يكثر الدعاء، قاله ابن مسعود‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الرحيم، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ أنه الموقن، قاله عكرمة وعطاء‏.‏

الرابع‏:‏ أنه المؤمن، بلغة الحبشة، قاله ابن عباس‏.‏

الخامس‏:‏ أنه المسبِّح، قاله سعيد بن المسيب‏.‏

السادس‏:‏ أنه الذي يكثر تلاوة القرآن، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

السابع‏:‏ أنه المتأوّه، قاله أبو ذر‏.‏

الثامن‏:‏ أنه الفقيه، قاله مجاهد‏.‏

التاسع‏:‏ أنه المتضرع الخاشع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

العاشر‏:‏ أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، قاله أبو أيوب‏.‏

وأصل الأواه من التأوه وهو التوجع، ومنه قول المثقب العبدي‏.‏

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ *** تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

تفسير الآيات رقم ‏[‏115- 116‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏116‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ‏}‏ الآية‏.‏ سبب نزولها أن قوماً من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام الأيام البيض، ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان‏:‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله أضلنا الله بعدك بالصلاة‏.‏ إنك على أمر وإنا على غيره فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏117‏]‏

‏{‏لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ‏}‏ الآية‏.‏ هي غزوة تبوك قِبل الشام، كانوا في عسرة من الظهر، كان الرجلان والثلاثة على بعير وفي عسرة من الزاد، قال قتادة حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها من الماء، ثم يمصها الآخر، وفي عسرة من الماء، وكانوا في لهبان الحر وشدته‏.‏

قال عبد الله بن محمد بن عقيل‏:‏ وأصابهم يوماً عطش شديد فجعلوا ينحرون إبلهم ويعصرون أكراشها فيشربون ماءها، قال عمر بن الخطاب فأمطر الله السماء بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فغشينا‏.‏

وفي هذه التوبة من الله على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار وجهان محتملان‏:‏

أحدهما‏:‏ استنقاذهم من شدة العسر‏.‏

والثاني‏:‏ أنها خلاصهم من نكاية العدوّ‏.‏ وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى‏.‏

‏{‏مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تتلف بالجهد والشدة‏.‏

والثاني‏:‏ تعدِل عن الحق في المتابعة والنصرة، قاله ابن عباس‏.‏

‏{‏ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ وهذه التوبة غير الأولى، وفيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن التوبة الأولى في الذهاب، والتوبة الثانية في الرجوع‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن الأولى في السفر، والثانية بعد العودة إلى المدينة‏.‏

فإن قيل بالأول، أن التوبة الثانية في الرجوع، احتملت وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها الإذن لهم بالرجوع إلى المدينة‏.‏

الثاني‏:‏ أنها بالمعونة لهم في إمطار السماء عليهم حتى حيوا، وتكون التوبة على هذين الوجهين عامة‏.‏

وإن قيل إن التوبة الثانية بعد عودهم إلى المدينة احتملت وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها العفو عنهم من ممالأة من تخلف عن الخروج معهم‏.‏

الثاني‏:‏ غفران ما همَّ به فريق منهم من العدول عن الحق، وتكون التوبة على هذين الوجهين خاصة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 119‏]‏

‏{‏وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏118‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ‏(‏119‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ‏}‏ يعني وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ خلفوا عن التوبة وأخرت عليهم حين تاب عليهم، أي على الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، قاله الضحاك وأبو مالك‏.‏

الثاني‏:‏ خلفوا عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة‏.‏

وهؤلاء الثلاثة هم‏:‏ هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك‏.‏

‏{‏حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ‏}‏ لأن المسلمين امتنعوا من كلامهم‏.‏

‏{‏وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ‏}‏ بما لقوه من الجفوة لهم‏.‏

‏{‏وَظَنُّوآ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ‏}‏ أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه‏.‏

‏{‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ‏}‏ قال كعب بن مالك‏:‏ بعد خمسين ليلة من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك‏.‏

‏{‏لِيَتُوبُوآ‏}‏ قال ابن عباس ليستقيموا لأنه قد تقدمت توبتهم وإنما امتحنهم بذلك استصلاحاً لهم ولغيرهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏}‏ في هذه الآية قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها في أهل الكتاب، وتأويلها‏:‏ يا أيها الذين آمنوا من اليهود بموسى، ومن النصارى بعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وكونوا مع الصادقين يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جهاد المشركين، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

الثاني‏:‏ أنها في المسلمين‏:‏ وتأويلها‏:‏ يا أيها الذين آمنوا من المسلمين اتقوا الله وفي المراد بهذه التقوى وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ اتقوا الله من الكذب، قال ابن مسعود‏:‏ إن الكذب لا يصلح في جدٍّ ولا هزل، اقرأُوا إن شئتم ‏{‏يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏}‏ وهي قراءة ابن مسعود هكذا‏:‏ من الصادقين‏.‏

والثاني‏:‏ اتقوا الله في طاعة رسوله إذا أمركم بجهاد عدوِّه‏.‏

‏{‏وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏}‏ فيهم أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ مع أبي بكر وعمر، قاله الضحاك‏.‏

الثاني‏:‏ مع الثلاثة الذين خُلفوا حين صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم ولم يكذبوا‏.‏ قاله السدي‏.‏

والثالث‏:‏ مع من صدق في قوله ونيته وعمله وسره وعلانيته، قاله قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ مع المهاجرين لأنهم لم يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن جريج‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 122‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏120‏)‏ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏121‏)‏ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ وما كان عليهم أن ينفروا جميعاً لأن فرضه صار على الكفاية وهذا ناسخ لقوله تعالى ‏{‏انفِرُو خِفَافاً وَثِقَالاً‏}‏ قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ معناه وما كان للمؤمنين إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرية أن يخرجوا جميعاً فيها ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة حتى يقيم معه بعضهم، قاله عبد الله بن عبيد الله بن عمير‏.‏

قال الكلبي‏:‏ وسبب نزول ذلك أن المسلمين بعد أن عُيّروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا على الخروج في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوه وحده بالمدينة، فنزل ذلك فيهم‏.‏

‏{‏فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ لتتفقه الطائفة الباقية إما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده، وإما مهاجرة إليه في إقامته، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا، ويكون معنى الكلام‏:‏ فهلاَّ إذا نفروا أن تقيم من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، قاله مجاهد‏.‏

وفي قوله تعالى ‏{‏لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع ويتحملوا عنه ما يقع به البلاغ وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم‏.‏

الثاني‏:‏ ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه وتصديق وعده ومشاهدة معجزاته ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏123‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ‏}‏ فيهم أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الروم قاله ابن عمر‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم الديلم، قاله الحسن‏.‏

الثالث‏:‏ أنهم العرب، قاله ابن زيد‏.‏

الرابع‏:‏ أنه على العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، قاله قتادة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏124- 125‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏124‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ‏(‏125‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتُ سُورَةٌ فِمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيَُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً‏}‏‏.‏

هؤلاء هم المنافقون‏.‏ وفي قولهم ذلك عند نزول السورة وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه قول بعضهم لبعض على وجه الإنكار، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم يقولون ذلك لضعفاء المسلمين على وجه الاستهزاء‏.‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ ءَآمَنُوا فَزَادَتْهُمُ إيمَاناً‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ فزادتهم خشية، قاله الربيع بن أنس‏.‏

الثاني‏:‏ فزادتهم السورة إيماناً لأنهم قبل نزولها لم يكونوا مؤمنين بها، قاله الطبري‏.‏

‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ أي شك‏.‏

‏{‏فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ إثماً إلى إثمهم، قاله مقاتل‏.‏

الثاني‏:‏ شكاً إلى شكِّهم، قاله الكلبي‏.‏

الثالث‏:‏ كفراً إلى كفرهم، قاله قطرب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 127‏]‏

‏{‏أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ‏}‏ الآية‏.‏

في معنى الافتتان هنا ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يبتلون، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ يضلون، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏

الثالث‏:‏ يختبرون، قاله أبو جعفر الطبري‏.‏

وفي الذي يفتنون به أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الجوع والقحط، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الغزو والجهاد في سبيل الله، قاله قتادة‏.‏

الثالث‏:‏ ما يلقونه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله حذيفة بن اليمان‏.‏

الرابع‏:‏ أنه ما يظهره الله تعالى من هتك أستارهم وسوء نياتهم، حكاه علي بن عيسى‏.‏

وهي في قراءة ابن مسعود‏:‏ ‏{‏أَوَ لاَ تَرَى أَنَّهُم يُفْتَنُونَ‏}‏ خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 129‏]‏

‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏128‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏(‏129‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ فيه قراءتان‏:‏

إحداهما‏:‏ من أنفسكم بفتح الفاء ويحتمل تأويلها ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ من أكثركم طاعة لله تعالى‏.‏

الثاني‏:‏ من أفضلكم خلقاً‏.‏

الثالث‏:‏ من أشرفكم نسباً‏.‏

والقراءة الثانية‏:‏ بضم الفاء، وفي تأويلها أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يعني من المؤمنين لم يصبه شيء من شرك، قاله محمد بن علي‏.‏

الثاني‏:‏ يعني من نكاح لم يصبه من ولادة الجاهلية، قاله جعفر بن محمد‏.‏ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «خَرَجْتُ مِن نِكَاحٍ وَلَمْ أَخَرُجْ مِنْ سِفَاحٍ

» الثالث‏:‏ ممن تعرفونه بينكم، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ يعني من جميع العرب لأنه لم يبق بطن من بطون العرب إلا قد ولدوه، قاله الكلبي‏.‏

‏{‏عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عنِتُّمُ‏}‏ فيه ثلاثة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ شديد عليه ما شق عليكم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ شديد عليه ما ضللتم، قاله سعيد بن أبي عروبة‏.‏

الثالث‏:‏ عزيز عليه عنت مؤمنكم، قاله قتادة‏.‏

‏{‏حَرِيصٌ عَلَيكُمْ‏}‏ قاله الحسن‏:‏ حريص عليكم أن تؤمنوا‏.‏

‏{‏بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بما يأمرهم به من الهداية ويؤثره لهم من الصلاح‏.‏

الثاني‏:‏ بما يضعه عنهم من المشاق ويعفو عنهم من الهفوات، وهو محتمل‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ عن طاعة الله، قاله الحسن‏.‏

الثاني‏:‏ عنك، ذكره عليّ بن عيسى‏.‏

‏{‏فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ حسبي الله معيناً عليكم‏.‏

الثاني‏:‏ حسبي الله هادياً لكم‏.‏

‏{‏وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ لسعته‏.‏

الثاني‏:‏ لجلالته‏.‏

روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أن آخر ما أُنزل من القرآن هاتان الآيتان ‏{‏لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ وهذه الآية‏.‏ وقال أُبي بن كعب‏:‏ هما أحدث القرآن عهداً بالله وقال مقاتل‏:‏ تقدم نزولهما بمكة، والله أعلم‏.‏

سورة يونس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الر‏}‏ فيه أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ معناه أنا الله أرى، قاله ابن عباس والضحاك‏.‏ والثاني‏:‏ هي حروف من اسم الله الذي هو الرحمن، قاله سعيد بن جبير والشعبي‏.‏ وقال سالم بن عبد الله‏:‏ ‏{‏الر‏}‏ و‏{‏حمٌ‏}‏ و‏{‏ن‏}‏ للرحمن مقاطع‏.‏

الثالث‏:‏ هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة‏.‏

الرابع‏:‏ أنها فواتح افتتح الله بها القرآن، قاله ابن جريج‏.‏

‏{‏تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ‏}‏ يعني بقوله ‏{‏تِلْكَ ءَايَاتُ‏}‏ أي هذه آيات، كما قال الأعشى‏:‏

تلك خَيْلِي مِنْهُ وتلكَ رِكَابِي *** هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُها كالزَّبِيبِ

أي هذه خيلي‏.‏

وفي ‏{‏الكِتَابِ الْحِكيمِ‏}‏ ها هنا ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ التوراة والإنجيل، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ الزبور، قاله مطر‏.‏

الثالث‏:‏ القرآن، قاله قتادة‏.‏

وفي قوله ‏{‏الحَكِيمِ‏}‏ تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه بمعنى محكم، قاله أبو عبيدة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه كالناطق بالحكمة، ذكره علي بن عيسى‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ سبب نزولها أن الله تعالى لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكر العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا‏:‏ الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فنزلت هذه الآية‏.‏

وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الإنكار والتعجب مَن كفر من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه جاءهم رسول منهم، وقد أرسل الله إلى سائر الأمم رسلاً منهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَآمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِّم‏}‏ فيه خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن لهم ثواباً حسناً بما قدموا من صالح الأعمال، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ سابق صدق عند ربهم أي سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً‏.‏

الثالث‏:‏ أن لهم شفيع صدق يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، قاله مقاتل بن حيان‏.‏

الرابع‏:‏ أن لهم سلف صدق تقدموهم بالإيمان، قاله مجاهد وقتادة‏.‏

والخامس‏:‏ أن لهم السابقة بإخلاص الطاعة، قال حسان بن ثابت‏:‏

لنا القدم العُلْيَا إليكَ خَلْفَنَا *** لأَوَّلنا في طَاعَةِ اللَّهِ تابعُ

ويحتمل سادساً‏:‏ أن قدم الصدق أن يوافق الطاعة صدق الجزاء، ويكون القدم عبارة عن التقدم، والصدق عبارة عن الحق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 6‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏4‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الأمْرَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يقضيه وحده، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ يأمر به ويمضيه‏.‏

‏{‏مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ ما من شفيع يشفع إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له في الشفاعة‏.‏

الثاني‏:‏ ما من أحد يتكلم عنده إلا بإذنه، قاله سعيد بن جبير‏.‏

الثالث‏:‏ لا ثاني معه، مأخوذ من الشفع الذي هو الزوج لأنه خلق السموات والأرض وهو واحد فرد لا حي معه، ثم خلق الملائكة والبشر‏.‏

وقوله ‏{‏إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏ يعني من بعد أمره أن يكون الخلق فكان، قاله ابن بحر‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ إِنَّهُ يَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يَعِيدُهُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه ينشئه ثم يفنيه‏.‏

الثاني‏:‏ ما قاله مجاهد‏:‏ يحييه ثم يميته ثم يبيده ثم يحييه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ‏(‏7‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا‏}‏ فيه تأويلان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا يخافون عقابنا‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

إِذَا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا *** وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نَوْبٍ عَوَامِلُ

الثاني‏:‏ لا يطمعون في ثوابنا، ومنه قول الشاعر‏:‏

أَيَرْجُوا بَنُوا مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي *** وَقَوْمِي تَمِيْمٌ وَالْفَلاَةُ وَرَائِيَا

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏9‏)‏ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بإِيمَانِهِمْ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يجعل لهم نوراً يمشون به، قاله مجاهد‏.‏

الثاني‏:‏ يجعل عملهم هادياً لهم إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن جريج‏.‏

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «يَتَلَقَّى الْمُؤْمِنَ عَمَلُهُ فِي أَحْسَنِ صُوَرَةٍ فَيُؤْنِسُهُ وَيَهْدَيهِ، وَيَتَلَقَّى الْكَافِرَ عَمَلُهُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ فَيُوحِشُهُ وَيُضِلُّهُ»‏.‏ الثالث‏:‏ أن الله يهديهم إلى طريق الجنة‏.‏

الرابع‏:‏ أنه وصفهم بالهداية على طريق المدح لهم‏.‏

‏{‏تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ من تحت منازلهم قاله أبو مالك‏.‏

الثاني‏:‏ تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو لقوله تعالى ‏{‏أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 51‏]‏ يعني بين يدي‏.‏

وحكى أبو عبيدة عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن أهل الجنة إذا اشتهوا الشيء أو أرادوا أن يدعوا بالشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم، ذلك الشيء، قاله الربيع وسفيان‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله في دعاء يدعونه كان دعاؤهم له‏:‏ سبحانك اللهم‏:‏ قاله قتادة‏.‏

‏{‏وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ معناه وملكهم فيها سالم‏.‏ والتحية الملك، ومنه قول زهير بن جنان الكلبي‏:‏

ولكلُّ ما نال الفتى *** قد نِلتُه إلا التحية

الثاني‏:‏ أن تحية بعضهم لبعض فيها سلام‏.‏ أي‏:‏ سلمت وأمنت مما بلي به أهل النار، قاله ابن جرير الطبري‏.‏

‏{‏وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن آخر دعائهم‏:‏ الحمد لله رب العالمين، كما كان أول دعائهم‏:‏ سبحانك اللهم، ويشبه أن يكون هذا قول قتادة‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم إذا أجابهم فيما دعوه وآتاهم ما اشتهوا حين طلبوه بالتسبيح قالوا بعده‏:‏ شكراً لله والحمد لله رب العالمين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولو يعجل الله للكافر العذاب على كفره كما عجل له خير الدنيا من المال والولد لعجل له قضاء أجله ليتعجل عذاب الآخرة، قاله ابن إسحاق‏.‏

الثاني‏:‏ معناه أن الرجل إذا غضب على نفسه أو ماله أو ولده فيدعو بالشر فيقول‏:‏ لا بارك الله فيه وأهلكه الله، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب منه الخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا‏.‏

فيكون تأويلاً على الوجه الأول خاصاً في الكافر، وعلى الوجه الثاني عاماً في المسلم والكافر‏.‏

‏{‏فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا‏}‏ قال قتادة‏:‏ يعني مشركي أهل مكة‏.‏

‏{‏فِي طُغْيَانِهِمْ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ في شركهم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ في ضلالهم، قاله الربيع بن أنس‏.‏

الثالث‏:‏ في ظلمهم، قاله عليّ بن عيسى‏.‏

‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يترددون، قاله ابن عباس وأبو مالك وأبو العالية‏.‏

الثاني‏:‏ يتمادون، قاله السدي‏.‏

الثالث‏:‏ يلعبون، قاله الأعمش‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ الضُّرُّ دََعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قآئِماً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه إذا مسه الضر دعا ربه في هذه الأحوال‏.‏

الثاني‏:‏ دعا ربه فيكون محمولاً على الدعاء في جميع أحواله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 17‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏16‏)‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ ءَآيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ‏}‏ يعني آيات القرآن التي هي تبيان كل شيء‏.‏

‏{‏قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقآءَنَا‏}‏ يعني مشركي أهل مكة‏.‏

‏{‏ائتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ‏}‏ والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه، والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه‏.‏

وفي قولهم ذلك ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم سألوه الوعد وعيداً، والوعيد وعداً، والحلال حراماً، والحرام حلالاً، قاله ابن جرير الطبري‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم سألوه أن يسقط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، قاله ابن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ أنه سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، قاله الزجاج‏.‏

‏{‏قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءي نَفْسِي‏}‏ أي ليس لي أن أتلقاه بالتبديل والتغيير كما ليس لي أَن أتلقاه بالرد والتكذيب‏.‏

‏{‏إِنْ أَتَّبعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ‏}‏ فيما أتلوه عليكم من وعد ووعيد وتحليل وتحريم أو أمر أو نهي‏.‏

‏{‏إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي‏}‏ في تبديله وتغييره‏.‏

‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ يعني يوم القيامة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني القرآن‏:‏

‏{‏وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ ولا أعلمكم به، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ ولا أنذركم به، قاله شهر بن حوشب‏.‏

الثالث‏:‏ ولا أشعركم به، قاله قتادة‏.‏

‏{‏فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أراد ما تقدم من عمره قبل الوحي إليه لأن عمر الإنسان مدة حياته طالت أو قصرت‏.‏

الثاني‏:‏ أنه أربعون سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعد الأربعين وهو المطلق من عمر الإنسان، قاله قتادة‏.‏

‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ أني لم أدَّع ذلك بعد أن لبثت فيكم عمراً حتى أُوحِي إليّ، ولو كنت افتريته لقدمته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 19‏]‏

‏{‏وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏18‏)‏ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلمُ فِي السَّمَواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أتخبرونه بعبادة من لا يعلم ما في السموات ولا ما في الأرض‏.‏

الثاني‏:‏ أتخبرونه بعبادة غيره وليس يعلم له شريكاً في السموات ولا في الأرض‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدً‏}‏ في الناس ها هنا أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه آدم عليه السلام، قاله مجاهد والسدي‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم أهل السفينة، قاله الضحاك‏.‏

الثالث‏:‏ أنهم من كان على عهد إبراهيم عليه السلام، قاله الكلبي‏.‏

الرابع‏:‏ أنه بنو آدم، قاله أُبي بن كعب‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ على الإسلام حتى اختلفوا، قاله ابن عباس وأُبي بن كعب‏.‏

الثاني‏:‏ على الكفر حتى بعث الله تعالى الرسل، وهذا قول قد روي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

الثالث‏:‏ على دين واحد، قاله الضحاك‏.‏

‏{‏فاخْتَلَفُواْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ فاختلفوا في الدين فمؤمن وكافر، قاله أبي بن كعب‏.‏ الثاني‏:‏ هو اختلاف بني بن آدم حين قَتل قابيل أخاه هابيل، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولولا كلمة سبقت من ربك في تأجيلهم إلى يوم القيامة لقضي بينهم من تعجيل العذاب في الدنيا، قاله السدي‏.‏

الثاني‏:‏ ولولا كلمة سبقت من ربك في أن لا يعاجل العصاة إنعاماً منه يبتليهم به لقضى بينهم فيما فيه يختلفون بأن يضطرهم إلى معرفة المحق من المبطل، قاله عليّ بن عيسى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 23‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ‏(‏21‏)‏ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏22‏)‏ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ رخاء بعد شدة‏.‏

الثاني‏:‏ عافية بعد سقم‏.‏

الثالث‏:‏ خصباً بعد جدب، وهذا قول الضحاك‏.‏

الرابع‏:‏ إسلاماً بعد كفر وهو المنافق، قاله الحسن‏.‏

‏{‏إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المكر ها هنا الكفر والجحود، قاله ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الاستهزاء والتكذيب، قاله مجاهد‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أن يكون المكر ها هنا النفاق لأنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر‏.‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً‏}‏ يعني أسرع جزاء على المكر‏.‏ وقيل إن سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجدب فقحطوا سبع سنين كسني يوسف إجابة لدعوته، أتاه أبو سفيان فقال يا محمد قد كنت دعوت بالجدب فأجدبنا فادع الله لنا بالخصب فإن أجابك وأخصبنا صدقناك وآمنا بك، فدعا لهم واستسقى فسقوا وأخصبوا، فنقضوا ما قالوه وأقاموا على كفرهم، وهو معنى قوله ‏{‏إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ذاهباً‏.‏

الثاني‏:‏ يابساً‏.‏ ‏{‏كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِألأَمْسِ‏}‏ فيه أربعه تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ كأن لم تعمر بالأمس، قاله الكلبي‏.‏

الثاني‏:‏ كأنه لم تعش بالأمس، قاله قتادة، ومنه قول لبيد‏:‏

وغنيت سبتاً بعد مجرى داحس *** لو كان للنفس اللجوج خلود

الثالث‏:‏ كأن لم تقم بالأمس، ومن قولهم غنى فلان بالمكان إذا أقام فيه، قاله عليّ بن عيسى‏.‏

الرابع كأن لم تنعم بالأمس، قاله قتادة أيضاً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَاللَّهَ يَدُعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ‏}‏ يعني الجنة‏.‏ وفي تسميتها دار السلام وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأن السلام هو الله، والجنة داره‏.‏

الثاني‏:‏ لأنها دار السلامة من كل آفة، قاله الزجاج‏.‏

‏{‏وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏ في هدايته وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالتوفيق والمعونة‏.‏

الثاني‏:‏ بإظهار الأدلة وإقامة البراهين‏.‏

وفي الصراط المستقيم أربعة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أنه كتاب الله تعالى، روى علي بن أبي طالب قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى»‏.‏ الثاني‏:‏ أنه الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

الثالث‏:‏ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر، قاله الحسن وأبو العالية‏.‏ الرابع‏:‏ أنه الحق، قاله مجاهد وقتادة‏.‏

روى جابر بن عبد الله قال‏:‏ خرج علينا رسول الله يوماً فقال‏:‏ «رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِندَ رَأْسِي وَمِيكآئِيلَ عِندَ رِجْلَيّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ‏:‏ أضْرِبْ لَهُ مَثَلاً، فَقَالَ‏:‏ اسْمَعْ سَمْعَتْ أُذُنُكَ، وَاعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ أتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنهُم مَّنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنهُم مَّن تَرَكَهُ، فَاللَّهُ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الإسْلاَمُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وََأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلاَمِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَن دَخَلَ الْجَنَّةَ أَكَلَ مِمَّا فيهَا» ثم تلا قتادة ومجاهد‏.‏ ‏{‏وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 27‏]‏

‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏26‏)‏ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ‏}‏ يعني عبادة ربهم‏.‏

‏{‏الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ‏}‏ فيه خمسة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى‏.‏ وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري‏.‏

والثاني‏:‏ أن الحسنى واحدة من الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس‏.‏

الثالث‏:‏ أن الحسنى حسنة مثل حسنة‏.‏ والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زيد‏.‏

والخامس‏:‏ أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر‏.‏

ويحتمل سادساً‏:‏ أن الحسنى ما يتمنونه، والزيادة ما يشتهونه‏.‏

‏{‏وَلاَ يَْرهَقُ وَجُوهَهُمْ قَتَرٌ‏}‏ في معنى يرهق وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعلو‏.‏

الثاني‏:‏ يلحق، ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَتَرٌ‏}‏ أربعة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ أنه سواد الوجوه، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الحزن، قاله مجاهد‏.‏

الثالث‏:‏ أنه الدخان ومنه قتار اللحم وقتار العود وهو دخانه، قاله ابن بحر‏.‏

الرابع‏:‏ أنه الغبار في محشرهم إلى الله تعالى، ومنه قول الشاعر‏:‏

متوجٌ برداء الملك يتبعه *** موجٌ ترى فوقه الرايات والقترا

‏{‏وَلاَ ذِلَّةٌ‏}‏ فيها ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الهوان‏.‏

الثاني‏:‏ الخيبة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 33‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ‏(‏28‏)‏ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏29‏)‏ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏30‏)‏ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏31‏)‏ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ‏(‏32‏)‏ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ‏}‏ فيه قراءتان‏:‏

إحداهما‏:‏ بتاءين قرأ بها حمزة والكسائي، وفي تأويلها ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا، قاله السدي، ومنه قول الشاعر‏:‏

إن المريب يتبع المريبا *** كما رأيت الذيب يتلو الذيبا

الثاني‏:‏ تتلو كتاب حسناتها وكتاب سيئاتها، ومن التلاوة‏.‏

والثالث‏:‏ تعاين كل نفس جزاء ما عملت‏.‏

والقراءة الثانية‏:‏ وهي قراءة الباقين تتلو بالباء وفي تأويلها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ تسلم كل نفس‏.‏

الثاني‏:‏ تختبر كل نفس، قاله مجاهد‏.‏

‏{‏وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِ‏}‏ أي مالكهم، ووصف تعالى نفسه بالحق، لأن الحق منه، كما وصف نفسه بالعدل، لأن العدل منه‏.‏

فإن قيل فقد قال تعالى ‏{‏وَأَنَّ الْكَافرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 11‏]‏ فكيف صار ها هنا مولى لهم‏؟‏ قيل ليس بمولى في النصرة والمعونة، وهو مولى لهم في الملكية‏.‏

‏{‏وَضلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏ أي بطل عنهم ما كانوا يكذبون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 36‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏34‏)‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏35‏)‏ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً‏}‏ هم رؤساؤهم‏.‏

‏{‏إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِ شَيْئاً‏}‏ في الظن وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه منزلة بين اليقين والشك، وليست يقيناً وليست شكاً‏.‏

الثاني‏:‏ إن الظن ما تردد بين الشك واليقين وكان مرة يقيناً ومرة شكاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 40‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏37‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏38‏)‏ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ‏(‏39‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ‏}‏ يعني أنه يختلق ويكذب‏.‏

‏{‏وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ شاهد بصدق ما تقدم من التوراة والإنجيل والزبور‏.‏

الثاني‏:‏ لما بين يديه من البعث والنشور والجزاء والحساب‏.‏

ويحتمل ثالثاً‏:‏ أن يكون معناه ولكن يصدقه الذي بين يديه من الكتب السالفة بما فيها من ذكره فيزول عنه الافتراء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لم يعلموا ما عليهم بتكذيبهم لشكهم فيه‏.‏

الثاني‏:‏ لم يحيطوا بعلم ما فيه من وعد ووعيد لإعراضهم عنه‏.‏

‏{‏وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ علم ما فيه من البرهان‏.‏

الثاني‏:‏ ما يؤول إليه أمرهم من العقاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 44‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏41‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏42‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏43‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يستمعون الكذب عليك فلا ينكرونه‏.‏

الثاني‏:‏ يستمعون الحق منك فلا يَعُونَه‏.‏

‏{‏أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن من لا يعي ما يسمع فهو كمن لا يعقل‏.‏

الثاني‏:‏ معناه أنه كما لا يعي من لا يسمع كذلك لا يفهم من لا يعقل‏.‏

والألف التي في قوله تعالى ‏{‏أَفَأَنتَ‏}‏ لفظها الاستفهام ومعناها معنى النفي‏.‏